أخرىأنشطة سابقةإصدارات باسم المركزدراسات

الدكتور سعيد شبار والتدقيق في خصوصية المدرسة السلفية المغربية

منتصر حمادة

من النادر أن تجد قلما بحثيا هنا في المغرب والمنطقة، يجمع بين التأليف في حقل علمي ما، وتولي مسؤولية في مؤسسة دينية رسمية، ولا يهم الموضوع مقتضى واجب التحفظ المرتبط بالإدلاء بمواقف سياسية ما، فهذه جزئية ثانوية الأهمية مقارنة مع بيت القصيد المسكوت عنه، أي التأليف الرصين في الحقل العلمي المعني، لأنه عمليا، نجد العديد من الأمثلة التي تجمع بين المقامين، أي تولي تلك المسؤولية والتأليف في آن، لكن مضامين ذلك التأليف تبقى متواضعة أو متواضعة جدا، هذا إن لم تُصنّف في خانة الاجترار وما يُصطلح عليه “شرح الشروح” (الذي نجده عند الجميع، بما في ذلك الأقلام التي تشتغل في حقل الفلسفة، والتي تحرّر مؤلفات لا تخرج مضامينها عن لازمة “قال أرسطو وأضاف نيتشه”، ضمن أمثلة أخرى).

في سياق تسليط الضوء على بعض الحالات الخاصة التي نزعم أنها توفقت في الجمع بين المقامين، نذكر حالة المفكر المغربي الإصلاحي سعيد شبار، وقد أشرنا في مقالة سابقة، نشرت في الموقع الرسمي لمركز دراسات المعرفة والحضارة (مؤرخة في 12 ماي 2019)، إلى أن “سعيد شبار، حالة خاصة جدا في العمل الديني الخاص بالمؤسسات الدينية في الساحة المغربية والعربية والإسلامية، وبيان ذلك، أن الرجل يشتغل في مجال الفكر أولا، والتدريس، لأنه أستاذ جامعي في أستاذ الفكر الإسلامي بكلية الآداب بني ملال التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، ويترأس في آن، مؤسسة علمية، وهي مؤسسة المجلس العلمي المحلي ببني ملال (منذ 2009 إلى 2023)، والتابعة لمؤسسة المجلس الأعلى الذي يترأسه ملك البلاد، عبر مؤسسة إمارة المؤمنين”، وكانت مناسبة للحديث حنيها في المقال نفسه عن “سعيد شبار الأستاذ الجامعي، حيث لا تمر سنة في التدريس دون إشرافه على تنظيم مؤتمر سنوي قار، ينتصر لقضايا تجديد الخطاب الديني والفكري، بشكل أو بآخر، من خلال الاحتفال بعدة أسماء، من عدة مرجعيات”.

ما جرى من تلك الفترة حتى اليوم أن المحتفى به في هذه المقالة، أصبح الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى منذ 2023، بمعنى أن مؤشر المسؤولية ومقتضياتها ارتفع، وبالرغم من ذلك، لا يزال الهم الفكري الإصلاحي حاضرا في أعمال الرجل، وهذا المعطى بالذات، هو سبب نزول أو تحرير هذه المادة المتواضعة، على هامش صدور كتابه الذي يحمل عنوان “المدرسة السلفية المغربية: خصوصية الماضي والحاضر” (صدر العمل عن مركز دراسات المعرفة والحاضرة، ضمن سلسلة الدراسات والأبحاث الفكرية، العدد 6، ط 1، 2025، وجاء في 173 صفحة من الحجم المتوسط).

ومع أن العمل في الأصل، أو كانت نواته مساهمة أولى ضمن ندوة سابقة نظمها المجلس العلمي الأعلى بالرباط في موضوع “السلفية: تحقيق المفهوم وبيان المضمون”، إلا أنه جاء مفصلا أكثر، وموزعا على مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة، وجاءت عناوين فصوله كالآتي: استقلال المغرب المبكر عن تأثيرات المشرق: تأهيل لبناء النموذج الخاص؛ التدافع المذهبي القديم والتمحض للاختيارات الخاصة؛ مِحن في قلبها مِنح [جاء هذا المبحث/الفصل موزعا على أربعة محاور: المذهب المالكي، سلف المغاربة في تدينهم الفقهي، المذهب الأشعري، سلف المغاربة في تدينهم العقدي، المذهب الجنيدي، سلف المغاربة في التصوف والسلوك، وأخيرا، الوحدة والانسجام السياسي و العلمي في تقرير الخصوصية المغربية]؛ حركية الفكر المغربي وتجدده النقدي الداخلي في بناء نموذجه [من خلال الاشتغال على نموذجي القاضي أبو بكر بن العربي والقاضي عياض]؛ المدرسة السلفية المغربية الحديثة وهموم الوطن والدين. [الحديث عن هموم الدين عند حركة سلفية تحصيل حاصل بتعبير المناطقة، لكن الحديث عن هموم الوطن عند الحركة نفسها، أمر مغاير، وهي إحدى مميزات السلفية المغربية، تلك التي اشتغل عليها مليا سعيد شبار في كتابه هذا].

يروم الكتاب إبراز الخصوصيات التاريخية التي ميّزت التجربة المغربية عموما، وميّزت الحركة العلمية والمذهبية على وجه التحديد، حيث كان الارتباط بمنهج السلف من القرون الخيرة الأولى، سِمة غالبة عندما سادت في هذا القُطر منذ وقت مبكر اختيارات مذهبية تحررت إلى حد كبير من النزاع والصراع بين الفلسفات والأديان والعقائد الذي هيمن في المشرق، حيث استطاعت أن تؤسس لوحدة فكرية وسياسية واجتماعية، سواء من خلال المذهب المالكي في الفقه أو الأشعري في العقيدة أو الجنيدي في السلوك.

بخصوص المحددات التي تقف وراء تحرير مفهوم “السلفية” في هذا العمل، فقد أحصاها المؤلف في ما يلي: منها قوة تداوله الى درجة الالتباس واختلاط السلبي بالإيجابي والنافع بالضار فيه؛ بحيث لا يمكن تجاوزه إلا بتحريره من أضرب المصادرات المختلفة التي تمارس عليه؛ ومنها تمايز النماذج المشرقية عن المغربية في التعريف وفي الانتساب الى العلماء والمذاهب، سواء في التاريخ القديم أو الحديث؛ ومنها وجود تيارات تتصدر اليوم المشهد السياسي وليس الديني فقط، وتزعم استرجاع حكم الخلافة التي كان عليها السلف، ولو باستباحة الدماء والأعراض والأموال، وهتك الحرمات التي جاء الدين لصونها وحمايتها؛ ومنها حاجتنا الى سحب شرعية الوساطة والتمثيل للسلف ممن يزعمون ذلك، ولا يرون استقامة التدين إلا على منهجهم وطريقتهم ولو دلت النصوص البينة على خلاف ذلك؛ ومنها إبراز النموذج السلفي المغربي” الذي تم تداوله في فكرنا الحديث والمعاصر، وخصوصياته الوطنية المشاركة في بناء الأمة والدولة، وحفاظه على اختياراته المذهبية الدينية والسياسية التي تميز بها عبر التاريخ؛ هذا مع تحرره الى حد بعيد من مزاعم تيارات الغلو السلفي التي انتقدها بحدة، ولم يترك لها مجالا ولا فرصة للعبور إلى هذه الربوع؛ سواء في صيغته القديمة مع مشيخة العلم التي كانت تمثله عبر العصور، أو صيغته الحديثة مع نفس المشيخة التي حافظت على ذلك الإرث وكانت بذلك امتدادا في تحصين هذه الخصوصية وتمنيعها أمام التحديات؛ ومنها أخيرا، أن كل إطلاق أو استعمال للفظ السلف بعد القرون الثلاثة الأولى الخيرة، إنما هو بالاعتبار الزمني وينبغي أن يُحيل على المضامين الشرعية والأخلاقية المقررة في تلك القرون باعتبارها مرجعية نموذجية مشتركة في التمثل، لا أن يقدم نفسه نموذجا بديلا عنها أو وصيا عليها أو ممثلا لها. (ص 7 – 8)

معلوم عند المتتبعين أن حضور الهم السياسي جليّ في تناول الظاهرة خلال العقود الماضية، خاصة مع التعقيدات المصاحبة لها على الصعيدين الجيوسياسي والاستراتيجي، فالأحرى التعقيدات أو القلاقل السياسية والدينية والمجتمعية اللصيقة بها، لولا إنه ما ميّز السلفية المغربية، حسب المؤلف، أن استقلالها السياسي المبكر عن نظم الخلافة والحكم في المشرق عاملا حاسما في إقدارها على بناء نموذجها الخاص وكان بالنتيجة، عاملا حاسما في بلورة الاختيارات الذاتية المناسبة لأهل هذا البلد علماء وحكاما وعامة على مستوى المذهب العقدي والفقهي والسلوكي والسياسي وهي التي ستستقر ثوابت وركائز في التدين المغربي، تصونه وتصوغه شكلا ومضمونا، بما خوّل لسعيد شبار التأكيد على أن المغرب بنى لنفسه “نموذجه السلفي الخاص به” (ص 17)، مضيفا أن “السلف” في هذا النموذج لم يكن وسيطا، يزعم احتكار المعرفة الدينية ويقصي الآخرين تبديعا وتفسيقا أو تكفيرا؛ وإنما كان جسرا للوصل بسلف الأمة المشترك بين المسلمين جميعا كما لم يكن “شعارا” يوظف في خصومات أو خلافات أو حروب مذهبية أو طائفية بقدر ما كان مضمونا علميا يساعد على البناء والوحدة والاستقرار السياسي والمذهبي، الذي كان طموح العلماء والحكام جميعا. (ص 18).

نترك مسك الختام في هذا العرض الأولي لبعض الإشارات النافعة التي جاءت في خاتمة العمل، ومفادها أنه كما استطاع سلف المغاربة الأوائل التحرر من مؤثرات المشرق وصوغ نموذجهم الذاتي، استطاع سلفهم المتأخر فعل الأمر نفسه، إذ صاغوا سلفيتهم الحديثة وبنوها استجابة لمطالب الوطن وقضاياه والتحاما مع همومه ومشكلاته، فتجاوزوا النموذج الحجازي الوهابي بسعة المضامين الجديدة في مختلف واجهات العمل والدعوة بروح اجتهادية تجديدية؛ كما تجاوزوا النموذج المشرقي النهضوي، بإعطاء تلك المضامين بعدا عمليا واقعيا وتواصليا جعلهم في انسجام مع المكونات الفكرية المختلفة بقيت اتجاهات “سلفية” حاضرة على الهامش تتغذى على أصول مشرقية، ولو أنها بذلت قليلا من الجهد المتحرر للاطلاع والتعرف على الأصول المرجعية لاختيارات المغاربة المذهبية في علميتها وعمليتها وفي عمقها التاريخي الممتد، لكان ذلك كفيلا بأن يزيح الغيوم الطارئة عليها. (ص 161).

بورك العطاء

المصدر

التعليقات

اظهر المزيد

د. محمد الناصري

باحث مغربي، يعمل أستاذا للفكر الإسلامي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان، المغرب، عضو مؤسس لمركز دراسات المعرفة والحضارة، من مؤلفاته: العلاقة مع الآخر في ضوء الأخلاق القرآنية، دار الهادي،2009م،  بيروت، لبنان. ثقافة السلام بين التأصيل والتحصيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2014م، الكويت. الاجتهاد والتجديد: دراسات مهداة للمفكر رضوان السيد، (مع مجموعة من المؤلفين)، 2014م، مجلة الإحياء، الرباط، المغرب. موسوعة الفلسفة الإسلامية: جدل الأصالة والمعاصرة، (مع مجموعة من المؤلفين)،دار ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية، ناشرون، بيروت، ط، الأولى، 2016م. مسألة الآخر في الإسلام: نحو تجاوز لإشكالات في فقهنا الموروث، مكتبة الإسكندرية، مصر، 2017م. المعرفة والابستمولوجيا، (مع مجموعة من المؤلفين)، دار ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية، ناشرون، بيروت، ط، الأولى، 2017م. مقاربات معرفية في الإصلاح الديني، (مع مجموعة من المؤلفين)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط، الأولى، 2016م. في تفكيك خطاب التطرف، (مع مجموعة من المؤلفين)، 2018م، رابطة العالم الإسلامي، بمكة. شارك في عدد من المؤتمرات الوطنية والدولية، منها: المشاركة في ورشة: "موسوعة مفكر" التي تعنى بالترجمة لمفكري الإسلام الذين عاشوا في القرن العشرين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت. المشاركة في المؤتمر العالمي: "الحوار وأثره في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم".  جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية. المشاركة في الندوة الدولية: "الاصلاحية الإسلامية وسؤال الهوية". مركز الدراسات الإسلاميةـ القيروان، جامعة الزيتونة، تونــــــــــــس. المشاركة في الدورة التدريبية: " القرآن الكريم و خطابه المتجدد". تنظيم المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية و الإسلامية، تطوان، المغرب...إلخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *