مقالات

القيم الكامنة في الإنسان.. كيف نبعثها؟

اللمعة الثالثة والعشرون

إن القيم باعتبارها مكونا من مكونات نظام السنن الضابطة لحركة وحياة الإنسان، لا ترتبط ضرورة بأحداث كبرى أو صغرى، أو جهات نافذة أو غير نافذة؛ ذلك لأن قيمتها ذاتية وليست خارجية، ونفاستها فيها وليست مستعارة. ولهذا فأي حدث تعلقت به، أو بالأحرى تعلق بها، رفعته وجعلت له من القبول والتداول بقدر تعلقه بها. ولأن القيم نسق وشبكة متكاملة، فإنها تجعل ما يتعلق بها متعلقا بالشبكة كلها أو معظمها؛ ينطلق من نقطة ما ليسري في كل أوصالها، مثل حركة الضوء أو النور تماما؛ والذي يضاعف هذا المعنى الاعتباري في القيم، أنها الأصل الفطري المشترك والممتد في كينونة الإنسان. فهي حينما تتصدر تفكيره وسلوكه يرتقي بها، وحينما تتراجع إلى الخلف وتتحكمه النزوات والشهوات ينحط بذلك ولو توهم أنه راق. وما نهوض الحضارات الكبرى إلا لاشتغال حيز مقدر من القيم العلمية أو العملية أو الدينية.. فيها، لكن الاشتغال الحق والتحضر الحق، يبقى هو القادر على الجمع بينها كلها ما أمكنه ذلك. فالقيم المهملة، باعتبارها من نظام السنن في الحياة، لا تلبث تطالب بحقها في الوجود، وقد تؤدي الحضارة ثمن ذلك الإهمال بالانهيار الجزئي أو الكامل. وهذا النظام هو الذي حكم الحضارات التي قامت ثم دالت بما فيها حضارة المسلمين؛ ولهذا فكثير من النقاد المؤرخين والفلاسفة والمفكرين، انتقدوا وينتقدون نموذج الحضارة السائد اليوم، وسوء المآل الذي ينتظره، من هذا المدخل بالذات؛ أي رد الاعتبار لما تم إهماله من قيم ضرورية للوجود الإنساني مثل: العدل والانصاف والعقل والكرامة والحرية والسلم والفضائل.. وغيرها، وليس غرضنا التفصيل هنا.

وما نهوض الحضارات الكبرى إلا لاشتغال حيز مقدر من القيم العلمية أو العملية أو الدينية..


غرضنا أن نربط ما تقدم بحدث الطفل ريان، وقد اختارته العناية الإلهية ليكون في جوار ربه، وكيف أن هذا الحدث بعث من تحت الأنقاض، في المسلمين وغيرهم، قيم التضامن والتكافل والمحبة والتراحم والأخوة والتعاون والمواساة..، وكل ما طمرته صلافة العولمة في وجهها الأسواقي الاستهلاكي التنميطي للحياة، وتعليبها للإنسان ضمن “قيم” صناعية، هو سجين ومستعبد في أسوار عُلبِها، صغيرة أو كبيرة كانت، وهي توهمه أنه حر طليق كامل الحرية والإرادة. علما أنه لا كمال في الحرية والإرادة بالذات، لهذا الكائن العاجز عن تأمل ذاته والابصار في نفسه، فكيف بأسرار ونظام الوجود.
إنه حينما تنبعث قيمة فطرية في الانسان، فإنها تطال كل إنسان، لأنه حامل لها بالقوة وتحتاج منه الى أن يُخرجها الى الفعل. ولهذا مهما تضخمت وانتفخت بعض الأحداث الزائفة، وتمالأت على الدعاية لها وسائل الإعلام في العالم أو بعضه، يمكن أن يحجبها ويتجاوزها، بل ويسفهها، حادث بسيط أو أعزل مثل حادث الطفل ريان الذي سخره الله لإحياء هذا الموات في المسلمين خصوصا وفي الناس عموما؛ وذلك حينما ارتبط بالشريان القيمي وبباقي الشبكة ليمتد في الجميع. ولو وقع هذا الحادث في مكان ما من العالم، لكان له نفس التداعي والتأثير؛ فالقيم الإنسانية تخدمها الأديان ولا تعارضها، وينبغي أن تخدمها النظم الحضارية كذلك. والخيط الفاصل بين التقدم والتخلف لم يبق الرهان فيه على المِلكية والحيازة في عالم الأشياء، بقدر ما أضحى يتجه وينتصر للقيم المعنوية، التي تحفظ كرامة الانسان وتكفل حقوقه وحرياته، وتعطي لحياته معنى وغاية، ولوجوده مبررا مقنعا.
فهل ننتظر حوادث من هذا القبيل، مثل الساعات والأجراس المنبهة، كي تنبعث فينا قيم “الانسان”، أم يمكن لتضافر الأعمال والجهود، الفكرية والفلسفية والدينية والاجتماعية.. أن تخدمها وتنتصر لها، استردادا لقيمة الإنسان الذي تمثله كثير من الشعوب التي سُلبت حقوقها وحرياتها، بل أحلامها وأذواقها كذلك. إن درجة تأثر الناس وتعلقهم بهذا الحادث، كما ارتبط ببراءة وطفولة ريان، وبمحنته في البئر لأيام، وهو معوض عنها ان شاء الله عند ربه؛ هو تعلق كذلك بالقيم المفقودة التي نفتقر اليها، وإن كانت في الأصل كامنة فينا تحتاج الى سبب ومبرر لانبعاثها. نرجو أن يكون درس هذا الحادث بليغا للجميع، فالسنن ومنها هذه القيم، لا تحابي أحدا.
ولا ننسى أخيرا التنويه والاعتزاز الكبير، بجهود الخدمة والتضامن التي قدم فيها المغرب مثالا للعالم، بدء من فرق التدخل المختلفة، والمتطوعين ذوي الخبرة والتجربة، وتضامن اهل القرية بالإطعام، وأكف الضراعة الممدودة الى اللطيف الخبير بعباده، ومتابعة ذلك كله وختمه بالتعزية الملكية المباشرة لوالدي الفقيد، نسأل الله لهما الصبر والاحتساب. والله غالب على أمره.

التعليقات

اظهر المزيد

أ. د. سعيد شبار

          د. سعيد شبار الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال

 

موجز سيرة علمية

  ـ أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، شعبة الدراسات الإسلامية، بني ملال، المغرب. (منذ سنة 1990). ـ حاصل على الإجازة عام 1987 بشعبة الدراسات الإسلامية، جامعة الحسن الثاني الدار        البيضاء. ـ حاصل على المعمقة عام 1988 تخصص السنة وعلومها، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب الرباط. ـ خريج دار الحديث الحسنية، تخصص علوم القران وعلوم السنة، الرباط 1989. ـ حاصل على دبلوم الدراسات العليا عام 1990 تخصص الفكر الإسلامي والحضارة، والعقيدة والأديان المقارنة، جامعة محمد الخامس الرباط. ـ حاصل على دكتوراه الدولة في مجال الفكر والأصول في موضوع: الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر دراسة في الأسس المرجعية والمنهجية، جامعة محمد الخامس الرباط 2000. ـ محاضر في الفكر الإسلامي والحضارة، والعقيدة وتاريخ الأديان. ـ مشرف ومؤطر في وحدة التكوين والبحث لماستر: الحوار الديني والحضاري وقضايا التجديد في الثقافة الإسلامية، كلية الآداب بني ملال منذ العام 2004.  ـ مشرف ومؤطر في وحدة الدكتوراه: الحوار الديني والحضاري في الثقافة الإسلامية.     كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال منذ العام 2006. ـ مسؤولية وعضوية بالعديد من مجالس وهيئات الكلية والجامعة. (مجلس جامعة القاضي عياض سابقا وجامعة السلطان مولاي سليمان حاليا، مجلس كلية الآداب، اللجنة العلمية، اللجنة البيداغوجية، لجنة التحكيم في النشر، لجنة الخزانة، منسق سابق للمكتب المحلي للنقابة الوطنية التعليم العالي بالكلية وللمكتب الجهوي بالجامعة)   ـ رئيس المجلس العلمي المحلي ببني ملال منذ العام 2009. ـ رئيس مركز دراسات المعرفة والحضارة، كلية الآداب بني ملال منذ العام 2004. ـ كاتب عام للمجلس العلمي الأعلى منذ عام 2023. ـ خبير في الشؤون الثقافية، ومحكم في نشر الأبحاث والدراسات لدى مراكز ومؤسسات    علمية وطنية ودولية. ـ خبرة في التوجيه والتأطير الديني للقيمين والفاعلين في المجال الديني، من خلال ندوات وتكوينات ومحاضرات، في الأسس والمفاهيم الشرعية، وفي التقويم المعرفي والمنهجي، وفي فقه التوازن والاعتدال الفكري والسلوكي. (أزيد من 80 تأطير وتكوين للقيمين والفاعلين الدينيين) ـ مشارك ومشرف وطنيا ودوليا، على العديد من الدورات العلمية التكوينية في الدراسات المعرفية والمنهجية، لفائدة الباحثين في الدكتوراه والدراسات العليا. (أزيد من 30 تدريب جامعي للباحثين) ـ عضو بالعديد من المؤسسات العلمية والثقافية. ـ أستاذ زائر للعديد من الجامعات الوطنية والدولية. ـ مشرف ومناقش لعديد من الأطروحات الجامعية في الدكتوراه والدراسات العليا. (أزيد من 150 أطروحة جامعية) ـ فاحص محكم في العديد من ملفات التأهيل العلمي ومباريات التوظيف الجامعي. ـ مشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية. (أزيد من 250 مشاركة وطنية ودولية). ـ أبحاث ومقالات علمية منشورة بمجلات ودوريات وطنية ودولية.  (أزيد من 120 بحث ودراسة).   ـ من الكتب المطبوعة:                    ـ النص الإسلامي في قراءات الفكر العربي المعاصر.               ـ المصطلحات والمفاهيم في الثقافة الإسلامية، بين البناء الشرعي والتداول               التاريخي.           ـ الأسس المرجعية والمنهجية لتجديد الفكر الإسلامي.           ـ الحداثة في التداول الثقافي العربي الإسلامي، نحو إعادة بناء المفهوم.            ـ النخبة والأيديولوجيا والحداثة في الخطاب العربي المعاصر.           ـ الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة في الأسس المرجعية              والمنهجية.           ـ الثقافة والعولمة، وقضايا إصلاح الفكر والتجديد في العلوم الإسلامية. ـ حوارات، مع مجموعة من المفكرين. حول قضايا في الفكر الاسلامي والعربي                            والغربي.           ـ الفكر الإسلامي المعاصر (ج1) منهجية التعامل مع المصادر واستعادة المعرفة السننية مدخلا للتجديد.              ـ المدرسة السلفية المغربية، خصوصية الماضي والحاضر.             ـ قيد الإعداد:           ــ الفكر الإسلامي المعاصر (ج2) مراجعات في مفاهيم ثنائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *