قراءات في كتب

تجديد النموذج الإرشادي في العلوم الإسلامية

 مقدمة

   ثمة أسئلة كثيرة تواجه العلوم الإسلامية، وهي تحاول تدارك النقص الحاصل في التجربة المعاصرة سواء على مستوى الرؤية أو المنهج من خلال القدرة على قراءة التدفقات الجارية اليوم على الساحة أو المحتملة حدوثها، وتجاوز العوائق المعرفية والمنهجية التي ورتثها تلك العلوم من التاريخ المدرسي وانفصالها عن الواقع، أو ما أحدثته التجربة الانفتاحية على المنهجيات الحداثية من عوائق على مستوى المفاهيم والقيم الموجهة لتلك للعلوم، فهذه الأخير لاتنشأ من فراغ، بل ترتبط بسياقات ثقافية، وشروط حضارية تصطبغ بأصولها المرجعية والفلسفية.

ومدارسة الأستاذ عبد الرحمن العضراوي لهذه الإشكالية ،يأتي في سياق بدأ في التبلور، وهو البحث عن أجوبة خاصة لواقع مخصوص، هو الواقع العربي الإسلامي المعاصر،لكن بأفق كوني يعانق هموم المعرفة الإنسانية،ويرشد مفاهيمها من خلال نموذج إرشادي يحمل قيم التقصيد والمعنى لأفعال الإنسان في علاقته بالذات والآخر والكون .

و يشكل الكتاب الذي نقدمه للقراء أنموذجاً في التعبير عن الإشكالات المنهجية المرافقة للعلوم الإسلامية قديماً، وجواباً عن مرحلة جديدة من البحث عن مخرج لتلك الإشكالات؛ حتى يستوي أمرها وتؤتي ثمارها وتواكب تحولات العصر، وتجديد النظر في آليات تلك المواكبة فهماً وتنزيلاً؛ في أفق تجاوز الأسئلة التقليدية ونماذجها الإرشادية، والعبور إلى أسئلة جديدة تعين على إحداث ثورات علمية تراعي في بناء أجوبتها على تفاعلية ثلاثية بين النص ــ الوحي ـ والواقع والمستقبل، وتستند إلى منطق التداخل بين آليات القراءة التي يؤسس الوحي القرآني لخلفياتها المعرفية والمنهجية.

و صدرت من الكتاب الطبعة الأولى، عن دار نور للنشر بالإمارات العربية المتحدة سنة 2017م للباحث المغربي المقتدر الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العضراوي، أستاذ الأصول والمقاصد بجامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال،ومدير مختبر الوحي والمقاصد والحوار للدراسات والأبحاث ومدير مركز الدكتوراه ومنسق  الحوار الديني والحضاري وتجديد الثقافة الإسلامية،من المؤسسين  لعدد من المراكز البحثية منها “مركز دراسات المعرفة والحضارة” أستاذ زائر بجامعة محمد الخامس بالإمارات العربية المتحدة، له عديد من الأبحاث والدراسات والمشاركات العلمية ذات المنحى التجديدي في علم المقاصد أهمها «الفكر المقاصدي وتطبيقاته في السياسة الشرعية» وهو في أصله أطروحة جامعية نال بها  الأستاذ درجة الدكتوراه ثم كتاب «مدخل تأسيسي في الفكر المقاصدي» وهذا الكتاب الذي نقدمه للقارئ. «التداخل المعرفي القرآني وتجديد النموذج الإرشادي في العلوم الإسلامية»

إن ما يميز هذه الدراسة عن غيرها من الدراسات التي أنجزها الأستاذ العضراوي، أنها دراسة تأسيسية بنائية،وأكثر جرأة من غيرها في اقتحام مجال معرفي منهجي محفوف المخاطر، لايلجه إلا من أوتي بسطة في العلم، وتمرس على أرضية التراث العربي الإسلامي،وبأفق كوني منفتح على الأنساق المعرفية الأخرى يعلم مستقرها ومستودعها.

وقد حاز الأستاذ هذه الصفات ليقترح مسلكاً جديداً في النظر إلى أزمة العلوم الإسلامية، واستشراف آفاقها وتحولاتها، وهو وَسْمٌ مَكَّنَ الاستاذ من الحفر بامتياز في التراث المقاصدي من خلال نماذج ما تزال تشكل حلقات معرفية لايستغنى عنها في بحث سؤال النموذج الإرشادي القادر على تدشين طور جديد في التدوين للعلوم الإسلامية،الأمر يتعلق بالإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبو إسحاق الشاطبي،بالنظر إلى الجهد التأسيسي والبنائي الذي قدمته تلك الجهود العلمية في تاريخ العلوم الإسلامية، واستيعابه للحداثة وما أفرزته من مفاهيم وآليات جديدة تعين على بلوغ مقصد التأسيس لذلك النموذج ، لكن أيضاً من خلال الاستناد إلى مرجعية (مرجعية الوحي) مهيمنة تستوعب مفاهيم التراث والحداثة في سياقات لاتقبل غير هذه القسمة المعرفية .

تنتظم محاور الكتاب في سؤال حضاري كبير يستجمع أسئلة متعددة، ترتبط بعلاقة الوحي بتأسيس العلوم الإسلامية، وعن آثار السياق التاريخي على مسار تلك العلوم، ومناهجها وتطبيقاتها،وعن مسارات الاجتهاد والإبداع والإتباع فيها، محاور موزعة إلى مقدمة وخمسة محاور أساسية وخاتمة.

جاءت مقدمة الكتاب مُعَبِّرة عن القلق المعرفي والمنهجي الذي حرك الأستاذ العضراوي، وعن طموحه في العبور بالعلوم الإسلامية من مرحلة هيمن عليها منطق التجزيء إلى منطق التكامل والتداخل، وتجاوز للنموذج التقليدي الذي أفرز تلك العلوم،دون أن يعني ذلك طعناً في التجربة التاريخية،أو تبخيساً لثمراتها وأثارها الحضارية، إنما هي «مراجعة نقدية يقتضيها التدبر القرآني وفقه الواقع،فالمحاسبة والتغيير سنتان كونيتان ضروريتان للتجديد والإبداع في الحضارة.»[1].

تتأطر أجوبة سؤال أزمة العلوم الإسلامية عند الأستاذ العضراوي في أربع مقدمات أساسية[2].

الأولى: اعتبار سؤال أزمة العلوم الإسلامية، جزء من سؤال النظر في كلية الأزمة الحضارية التي استشعرها المشروع النهضوي العربي واليقظة الإصلاحية.

الثانية: ضرورة الفصل بين الإسلام وحياً منزلاً، وهو مجموع ما جاء به نص البلاغ الإلهي، وبين الفكر الإسلامي الذي مثل ثمرات اجتهاد العقل المسلم في علاقته مع الوحي وإرجاعات الواقع وإشكالاته، فهو مؤطر بإمكان حضاري نسبي.

الثالثة: القدرة على إدراك قوانين الاجتهاد في الوحي، وتجدد كفايات وكيفيات الفهم وفق مستجدات الواقع وتشابكاته، من خلال بناء قواعد تأويلية استدلالية في التعامل مع الوحي والواقع.

الرابعة: جعل الأستاذ العضراوي هذه المقدمة لحظة من لحظات تجديد النموذج الإرشادي في العلوم الإسلامي ، من خلال البحث المعرفي عن أصول حدوث الثورات العلمية، وتطور نظرياتها، وملاحظة التراكم الحاصل فيها وعلاقاتها بالأنساق المغايرة.

مقدمات تأسيسة لقواعد جديدة في النظر إلى طبيعة الأزمة التي تعانيها العلوم الإسلامية مداخلها، ومخرجاتها الطبيعية،لهذا  لم يسلك الأستاذ في هذه الدراسة مسلك التقليد لبراديغمات المعرفة الغربية حذو القدة بالقدة، وإن كان لايخفي أهمية الانفتاح عليها وفق السياق التداولي العربي الإسلامي، وأغراضه المتكوثرة، إنما استند في ذلك إلى نماذج من تاريخ المعرفة الإسلامية استطاعت التغلب على العناصر المعطلة لملكة التجديد والاجتهاد، وأبدعت في إنتاج أدوات وقواعد تأويل النص الشرعي، وفهمه وَفْقَ السياقات الجديدة، وكذلك فعل الإمام الشاطبي عندما قَعَّدَ قواعد جديدة في الفهم، وهي تفعيل النظر المقاصدي في قراءة نصوص الوحي وعلاقتها بأوضاع المكلفين وجوداً وعدماً.

وينسجم هذا المنحى مع ما أثبته الاستاذ العضراوي في كثير من كتاباته بدءاً بأطروحته الجامعية في الدكتوراه، حين شَدَّدَ على ضرورة تفعيل النموذج المقاصدي في قراءة التحولات السياسية والمعرفية، وتوظيف منهجه لترشيد الاختلاف العلمي والسياسي، وتوسيع آفاق الاجتهاد الشمولي الضروري لتطور الحياة وصلاح الإنسان في استمرار الزمان[3]، والربط بين الاستخلاف والفعل المقاصدي، وجعل الإنسان الفاعل الأساس في الكون بحكم الأمر الإلهي[4].

يتحقق كل هذا عنده باستشراف معرفي منهجي دقيق تراعى فيه أبعاد الزمان المطلق والنسبي للإنسان وبمنهج كيفي وكمي يراعي المآلات وتحقيق المناطات وفقه الأولويات والمصالح.

المحور الأول: مفهوم التداخل المعرفي القرآني.

يكشف الأستاذ داخل هذا المحور عن قاعدة تأسيسية لمفهوم النموذج الإرشادي الذي يتوخاه في سياق ثقافي له معاييره الأخلاقية، ومعلوم الطبيعة والصفة، الأمر يتعلق بمفهوم التداخل المعرفي في القرآن الكريم، وعن نسقية المعرفة التي يؤسس لها في علاقتها مع المعرفة الكونية والإنسانية، فـــ«السمة الأساس المميزة لنظام التداخل المعرفي القرآني هو التكامل المعرفي المحقق لمقاصد الوحي. من حيث إن التكامل المعرفي في المنهج القرآني قائم على مقاصد عقدية واستخلافية، وقيمية تمثل أصولاً معرفية للمعرفة وموضوعاتها ومناهجها(…)»[5].

وهو ما جعل الأستاذ يقدم حَدّاً جديداً لمفهوم التكامل يتناغم ومقاصد تجديد العلوم الإسلامية ولنماذجها الإرشادية، فهو عنده ليس أسلمة للعلوم ولا تأصيلاً وتصنيفاً لها،إنما هو « ممارسة عقلانية لمقاصد الوحي في تحقيق صلاح الوجود الإنساني بآليات إنتاجية للمعرفة متجددة وقادرة على تدبر النص الشرعي والكوني واستنطاقهما.»([6]) من خلال استيعاب مستويين من الترابط:

الترابط الداخلي، حيث تتفاعل العلوم والمعارف الشرعية والكونية في مصادرها الإلهية. الترابط الخارجي الذي تؤسس له تفاعلية الترابط المعرفي الداخلي مع الكسب الإنساني، الذي يتأسس بدوره على ثلاث قواعد أساسية:

  • تفاعلية معرفة الوحي التعليمية مع معرفة الإنسان الكسبية.
  • تفاعلية معرفة الوحي التعليمية مع المعرفة الكونية الواقعية.
  • تفاعل المعرفة الإنسانية الكسبية مع المعرفة الكونية.

وتستند دراسة الأستاذ على تفعيل تلك القواعد في تحقيق رؤية معرفية جديدة للعالم ،تتكامل فيها كل المداخل، ويستشعر فيها الإنسان كينونته، وتتجاوز تصلبات الرؤية المعرفية المادية الاختزالية التي تعتمد البعد الواحد في الإنتاج المعرفي القاهرة للإنسان، والسالبة لحريته وكرامته.

المحور الثاني: آليات التداخل المعرفي القرآني.

ينطلق هذا المحور من قاعدة تعريفية لمفهوم آليات التداخل المعرفي القرآني، وتحديد منطلقاته المعرفية والمنهجية، وهو ما يتيح للمشتغل بأزمة العلوم الإسلامية القدرة على تحديد الاختيارات الكبرى في بناء النموذج الإرشادي المأمول، في الاستيعاب والتجاوز.

ويقصد الأستاذ بآليات التداخل المعرفي القرآني « مجموع الكيفيات المبدئية والمنهجية والتقصيدية التي تبرز أن المعارف القرآنية متوالية من المعاني الشرعية المتفاعلة خدمة وعملاً ومنهجاً سواء كانت مقصودة أصالةً أم تبعية في السياق القرآني.»[7]، فتأسيس النموذج الإرشادي في المنهجية المعرفية الإسلامية المعاصرة، يستند في تقدير الأستاذ إلى  منطلقين:

  1. منطلق مبدئي، يرتكز على قاعدتين:
  • قاعدة التوحيد، باعتباره البنية المعمارية ـــ بتعبير الأستاذ ـــ التي تكشف هيمنة القرآن وتصديقه، والكيفية الناظمة لعلاقة الخالق بالخلق، وبين وحدة السنن الكونية ووحدة المقاصد. وقاعدة التوحيد عند الأستاذ العضراوي آلية نقدية في تصحيح المعارف وتقويم مساراتها في الإنسان والطبيعة والغيب.
  • قاعدة الرؤية الكونية باعتبارها نسق تفسيري لمكونات المعرفة وهي «رؤية عامة للحقيقة، وللواقع وللعالم، وللمكان، وللزمان، ولتاريخ الإنسانية ومصيرها»[8] والإصرار على إدراك هذه الرؤية،إصرار على ضبط تحولات المعرفة الإسلامية والإنسانية، واتجاهاتها المتعددة ضمن نسق مفتوح، يتميز بثلاث أسس[9]:
  • أساس الوحدة التي تحول العناصر المختلفة إلى بنية منتظمة تتميز فيها مراتب الأفضلية أو درجات الأهمية. فيتجه هذا الأساس بالمعرفة الإسلامية من حيث التصور المنهجي إلى الانسجام والتناسق والمتًحد في نسق موحد للحضارة الإسلامية سواء كانت المفاهيم آتية من مصدر محلي أو خارجي، فيتم إعادة تكوينها وفق العلاقات الجديدة والتصورات الكامنة في نسقنا المعرفي والحضاري لتأخذ شكلها الجديد.

أساس العقلانية: يقوم هذا الأساس على ثلاث قوانين، ومبادئ فرعية تتعلق بطبيعة المعرفة التي يكتسبها الإنسان من مصادرها:

  • المبدأ الأول : رفض جميع ما لا يتطابق مع الواقع، وهذا المبدأ يحمي المسلم من الظن أي من تكوين أي ادعاء بالمعرفة لا يسنده دليل أو إثبات.
  • المبدأ الثاني : يتعلق بعدم التناقض ويشكل هذا المبدأ جوهر العقلانية، فتنتفي كل الثنائيات المتقابلة التي ورثها العقل المسلم “الوحي والعقل” “المقدس والمدنس” “الديني والدنيوي” في ثقافته المعاصرة ويشيد لنفسه عالماً من الأفكار نقي المصدر والوجهة.
  • أما المبدأ الثالث: فهو الانفتاح على الأدلة الجديدة أو المناقضة والقدرة على فتح حوار معرفي معها، الأمر الذي يحمي المعرفة الإسلامية من الحرفية والتعصب الذي يؤدي إلى الركود.

أساس التسامح بما يشكله من ضمانات أخلاقية في نظرية المعرفة، وسعَة في الأفق وقدرة على الانفتاح بما يغني تجربته من كسب الحكمة الإنسانية دون تعصب أو انغلاق مميت، وفق الهرمية المعرفية الإسلامية القائمة على التكامل، والوحدة، والوسطية.

  1. منطلق منهجي، تؤطره ثلاث خطوات متكاملة[10]:
  • التناسب التفاعلي بين الآيات والسور، حيث يتكامل السابق مع اللاحق، على مستوى المفردة القرآنية، وهو استرجاع لمنحى منهجي أطَّرَ الدرس المعرفي الإسلامي في تثوير الوحي وفهم مقاصده، في علاقته بحركة العمران البشر، حيث يظل المنهج القرآني فاعلاً في حركة العقل والواقع معاً.
  • الكشف السياقي المقامي، تجسده العلاقات التكاملية بين بلاغ الله تعالى ووظيفة النبوة، وبين المكلفين من جهة، وبين سياقات التنزيل، على اعتبار أن البلاغ ــ كما يقول الأستاذ ــ نسق لغوي منضبط بسياقات داخلية وخارجية، وهو ما بات يعرف عند الأستاذ بالقراءات بدل القراءتين، فينظر في مفهوم الله، ومفهوم الإنسان ، ومفهوم الكون؛ ولأن ذلك مستوفياً في نظره للتداخل المطلوب ، المتجاوز للمنهج الظاهري، إلى إدراك الأبعاد المقاصدية في حفظ الدين والإنسان والكون.
  • التقصيد الشرعي: هو منطلق منهجي يتخطى مبحث التعليل القياسي عند الأصوليين،الذي يرتكز على البحث في العلل الجزئية للظواهر والأقضية، ليعانق النظر الكلي المقاصدي وكيفيات التزيل وقراءة مآلات الأحكام.

تنتظم هذه الخطوة عنده في قالب منهجي، يستوعب المعارف الضرورية، الحاجية والتحسينية، العامة والخاصة،الأصلية والتبعية، ويجمع بين العلم والعمل، بين الدين والقيم، وبين أدوات منهجية متعددة ومتكاملة في إنتاج العلوم (العقلية والحسية والقلبية)، فيؤسس لنموذج منهجي ممتد وفضفاض ــ  بتعبير المسيري ـــــ يحرر المعرفة من التحيز والشذوذية، في الوقت ذاته قادر على قراءة المتغيرات والتنبؤ بالمستقبليات، ومُقَدِّرٌ للواقع وإكراهاته.

المحور الثالث: تحديد مفهوم النموذج الإرشادي عن توماس كون.

مما ميز جهد المؤلف في هذا الكتاب،قبل إقدامه على بناء وتجديد النموذج الإرشادي للعلوم الإسلامية، قدرته على قراءة واستيعاب لنموذج معرفي شكل نقطة تحول في المعرفة المعاصرة، نموذج توماس كون الذ ي أحدثت أعماله نقلة نوعية في فلسفة العلوم،اعتباراً لأهميته في التحولات التي تحدث في بنية كل علم.

انفتاح الأستاذ على هذا النموذج يجسد رغبته في إمداد العلوم الإسلامية بخبرة علمية، من شأنها أن تعين على التأسيس السليم لما يرومه في هذا الجهد العلمي، باعتباره مجموعة من المبادئ ونسق من المفاهيم القادرة على ترشيد المعرفة ومواجهة المشكلات[11]، كما قدم تعربفا لمفهوم النموذج الإرشادي كما بلوره توماس[12]،وأهم الانتقادات التي وجهت له، حين تحول إلى عقيدة جبرية تاريخانية مغلقة. وهو مايبرز من جهة الوُسع النقدي الذي يميز الأستاذ في تعاطيه مع النماذج والأنساق المغايرة.

المحور الرابع: تجديد النموذج الإرشادي[13] المنهجي والتزيلي في العلوم الإسلامية.

هو المقصد الأساس الذي تدور حوله هذه الدراسة،حيث ننتقل من مجتمع ينقل  المعرفة ويستهلكها إلى مجتمع ينتج المعرفة ويبدع فيها وَفق قواعده وأصوله، وأغراضه، من خلال القدرة على تجاوز عقليات ظلت تأسر العقل المسلم، إما أنها عقلية تلفيقة أوتوفيقة أوعقلية القطيعة الكلية في اتجاه الذات أو الآخر،وإنكار الإنجازات، بمناهج اغتصبت معها الحقيقة العلمية.

خيارات لم تعد تقنع ــــ في رأي الأستاذ ــــ في  استشراف مستقبل العلوم الإسلامية، وتحريك الواقع الراكد، وإعادة الانسجام بين مركبات الوعي (الإنسان،الزمن،الغيب)، فتجديد النموذج الإرشادي في بناء نظرية المعرفة، ينطلق حسب تحليل الأستاذ من تجاوز تلك الرؤى الإصلاحية التي عجزت عن استيعاب المنطق التكاملي بين الحقيقة المطلقة الموضوعية في الوحي، والحقيقة النسبية في التراث العربي الإسلامي والإنساني.

يؤمن الأستاذ العضراوي، بأن فاعلية العلوم الإسلامية وقدرتها على الإبداع في الحلول والتنزيل، إنما تأتي من خلال الاستمداد من الأصول الكلية لهذه العلوم، وهي الوحي بما يوفره من إمكانات منهجية استدلالية ترى الظواهر في نسقية منسجمة، وضمن حدود يرسمه الوحي ذاته، بين المطلق والنسبي.

فعلى ضوء هذا التأسيس الشرعي للنموذج الإرشادي، يقول الاستاذ نؤسس لفاعليته في تحليل النماذج الإرشادية التاريخية،والأزمة التي رافقتها. أزمة ساهمت فيها كثير من العوامل الداخلية والخارجية:

الأولى ارتبطت بقلب قاعدة التأسيس للعلوم، حيث لم يعد الوحي قاعدة للوعي بالتشوهات التي تعيشها علوم الأمة، وانفراط حلقات تلك العلوم، وهيمنت مفاهيم غاية في التعقيد والتجزيء، وموغلة في التقليد والاتباع، وغير قابلة لممارسة النقد  لاختياراتها المنهجية والمرجعية.

أما الخارجية فما أحدثته الترجمة من خلل في نسقية تلك العلوم، من خلال اختيارات لم تخضع في النقد والتحديد المنهجي لآليات الوحي ومنطقه الداخلي، وللرأي المصلحي للسياق التداولي العربي الإسلامي. وتحديد الطبيعة الجديدة للعلوم التي نتغياها، ومنسجمة مع السياق المرجعي والواقعي.

يستند الجهد البنائي الذي يتوخاه الأستاذ في عمله إلى قاعدتين : قاعدة مراعاة النسقية التفاعلية التعليلية، ثم قاعدة مراعاة النسقية المقاصدية في قراءة الوحي وفي بناء المعرفة الإنسانية، وفي جدل الواقع، على اعتبار هذه القواعد هي القادرة على تجديد آليات العقل المسلم في قراءة السنن وممارسة الإبداع الحضاري، منتقداً في الوقت ذاته المحاولات العلمية التي سعت إلى تغييب عناصر فاعلة في بناء النموذج الإرشادي، وفصل الإنسان عن القوانين الحقة في الكون والدين[14].

المحور الخامس: الرؤية المعرفية القرآنية ومفهوم الإنسان والتاريخ.

يتشكل البناء الهندسي المنهجي داخل هذا المحور من ثلاثية معرفية متلازمة : الرؤية المعرفية القرآنية، مفهوم الإنسان ومفهوم التاريخ، وهي متلازمة يراها الأستاذ ضرورية في التأسيس المنهجي الراشد، لتعلق هذا الاخير بمرجعية القرآن، وبمسار الإنسان في التاريخ، وتتأطر كلها برؤية غيبية واقعية، تتخطى مناهج المدارس الوضعية (المدرسة الوضعية الفيزيائية[اعتماد المعطيات الحسية وإنكار الغيب]، والمدرسة التأويلية [اعتماد الوقائع في التحليل] التي راهنت مستقبل الإنسان والتاريخ بحتميات وقوانين معرفية وثوقية مغلقة.

ويؤكد الأستاذ هذا المنحى الإبداعي عندما أصر على اعتبار الرؤية المعرفية القرآنية، «نظر معرفي استدلالي متكامل لكريمية القرآن ومجيديته ومكنونيته، فهو كريم بتجدد عطائه، ومجيد بأنه لايبلى ولا يخلق مع متغيرات الزمان والمكان، ومكنون بأنه قابل لأن يتدبر ويستنطق في أي واقع جديد، فتكون الرؤية القرآنية بذلك النظر بحث علمي دقيق في بيانية القرآن للعالم من حيث وجوده وتسخيره للإنسان وما يقتضيه من التكريم الإنساني والحفظ العقلي قصد إدراك الوجود وخالقه. وبهذا فهي تأويل من مرجعية الوحي القرآني للعالم والإنسان والتاريخ والطبيعة في مقابل التأويل المادي أو التأويل الوجودي او التأويل التأويلي التفكيكي العدمي»[15]

هي دعوة لحماية الإنسان من الأنساق المعرفية النسبية المغلقة والقاصرة عن تحقيق القصدية من الوجود، والتاريخ من التأويل المادي الصرف الذي يرى التاريخ سلسلة من الوقائع المادية، لا علاقة للغيب في صناعتها. فالإنسان والتاريخ لا يتحددان حسب الأستاذ العضراوي تحديداً علمياً إلا من منظور تفاعلية النص الشرعي والواقع الإنساني، التي تبرز فاعلية العقل الإنساني القائمة على ذكائه العلمي الذي نستقرئ حوله إشارات قرآنية، تكشف عنها كثير من نصوص الوحي، كما أوردها الأستاذ في مثنه. فالإنسان والتاريخ يتحددان داخل تلك الرؤية القرآنية التي تحررهما من الأوهام والأساطير والخرافات، وتعيد اكتشاف العلاقة النسقية الناظمة لأفعالهما، وبالتالي القدرة على إبداع النموذج الإرشادي للعلوم الإسلامية وفق تلك الرؤية.

اختيارات تتعزز بحرية الإنسان ومسؤوليته في التاريخ، وفق وعي يستند إلى الرؤية المعرفية القرآنية وبالمحددات المنهجية (العالمية، التصديق والهيمنة) التي تميزها عن غيرها من الأنساق الأخرى. فالتاريخ ــــ حسب الأستاذ عبد الرحمن العضراوي ــ يظل مجالاً زمانياً لحرية الإنسان الممنوحة له من رب العالمين، لكنها حرية مسؤولة وواعية وقاصدة، جالبة للمصالح ودافعة للمضار، وبانية للإنسان والعمران.

إمكان معرفي اجتهادي مكن الأستاذ من وضع مخطط منهجي قادر على تجاوز أزمة المعرفية الإنسانية التي تعود ـــ حسب تحليله ـــ إلى أزمة النماذج المعرفية التحليلية المهيمنة، المحكومة بالرؤية الاختزالية والعدمية، والرافضة للأسس والمرجعيات المتجاوزة.إمكان يتيح من جهة ممارسة نقدية فاعلة ومثمرة لعطاءات العقل الإنساني وَفْقَ منظور معرفي متكامل على مستوى المنهج والرؤى والمفاهيم.

خاتمة.

تعبر هذه الدراسة عن رؤية إنسانية أصيلة في الثقافة المنهجية المعاصرة: أولاً من حيث ارتباطها بالأصول المؤسسة للنموذج الإرشادي للعلوم الإسلامية الإنسانية، وتأسيس التكاملية المعرفية، التي اعتبرها شرطا في بناء النموذج. ثانياً من خلال الحفر في ذاكرة التراث المنهجي الذي اعتبره الأستاذ شرطا لازما في استكمال بناء النموذج الإرشادي. ثالثا ارتباطها بالسياق التداولي العربي الإسلامي، واستشعار استشكالاته وإرجاعاته. رابعاً من خلال قدرتها على تفكيك المرجعيات المستعارة، وكشف ثغراتها المنهجية.

وتؤمن أن السبيل  لتوطين منهجية علمية في وعي الأمة الجماعي هو العمل البنائي الذي يوحد بين القراءات الثلاث: الوحي والكون، والإنسان، و التي تشكل كلها معالم النموذج الإرشادي، الذي ينسجم مع السياق الثقافي الإسلامي الإنساني، وأفق الوعي الجماعي للإنسانية، وألآمها وآمالها في التحرر، ومعانقة أسباب الإبداع الحضاري العام.

الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1] عبد الرحمن العضراوي : التداخل المعرفي القرآني وتجديد النموذج الإرشادي في العلوم الإسلامية، دار نور للنشر بالإمارات العربية المتحدة،ط1، 2017م،ص 4.

[2]  نفسه،ص 3 ــــ 4.

[3] الفكر المقاصدي وتطبيقاته في السياسة الشرعية ،م.س، ص 16.

[4]  انطر مدخل تأسيسي في الفكر المقاصدي، مركز نماء للبحوث والدراسات ط 1/ 2015م. ص 88،91،92.

[5]  التداخل المعرفي القرآني وتجديد النموذج الإرشادي ،م.س، ص13.

[6]  نفسه، ص14.

[7]  نفسه،ص 19.

[8] إسماعيل راجي الفاروقي : التوحيد مضامينه على الفكر والحياة، ترجمة السيد عمر ، مدارات للأبحاث والنشر ، القاهرة ط1/ 2014 ص52 .

[9] انظر إسماعيل الفاروقي ولوس لمياء الفاروقي: أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة عبد الواحد لؤلؤ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1/ 1998 ، ص134-136

[10] انظر التداخل المعرفي القرآني وتجديد النموذج الإرشادي ،م.س ص21 ــ 22.

[11] انظر المرجع نفسه ص27.

[12]  انظر المرجع نفسه، ص 25 ــ ـ26.

[13] يعرفه الأستاذ عبد الرحمن العضراوي: بأنه مجموع المنطلقات المعرفية المرشدة لإنتاجات العقل الإنساني والمحددة لرؤيته للعالم والكون، المستخرجة من آليات التداخل المعرفي في الوحي، واعتبارها نسقا للهداية والترشيد، وتوجيه للعقل الإنساني في قراءة الظواهر العلمية الوجودية. انطر المرجع نفسه،ص 32،

[14] انظر المرجع نفسه، ص 45

[15]  المرجع نفسه، ص 49.

التعليقات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق