
على سبيل التوطنة:
تستعاد التجربة الدينية اليوم بوصفها استجابة وجودية لما خلفته الحداثة من فراغ داخلي إنها تظهر كأنها رجوع إلى ما ظل مؤجلا في الوعي، أو كأنها مواجهة مباشرة مع جروح ثم تلتتم: جروح المعنى، فحين الحولت الحداثة إلى مشروع بعد بالتحرر عبر العقل والتقنية والتنظيم، بدا أنها في المقابل – تضعف ما كان يمنح الإنسان إحساسا بمعنى الوجود، وفي مقدمة ذلك البعد الديني الذي كان يعضى معنى للحياة. ومع تراجع حضور الدين، لم يملأ الفراغ بما هو أعمق، بل التسع مجال العدمية: وترسخ الإحساس بأن الوجود بلا مقصد، وأن الحياة تدار بلا بوصلة. ومن هذا الإحساس نشأ قلق صامت، ومثل قاتل، لم يخفف من حدته الإقبال على الاستهلاك الذي عمل كمهدئ سريع ومؤقت يقدم متعة تنفى السؤال بدل أن تجيب عنه، وهكذا وجد الإنسان نفسه ممزقا بين عالم يتقدم تقنيا بسرعة، ووعي يتراجع إلى منطقة الفراغ. لذلك تفهم العودة إلى الدين اليوم لا بوصفها ظاهرة ثقافية أو حاجة اجتماعية عابرة، بل إنها بحث عن أرض صلبة في زمن السيولة، إنها محاولة لإعادة بناء المعنى، وإصلاح العلاقة بالأصل (الدين)، واستعادة أفق يفسر الألم والغاية والمصير، بعدما بدا أن العلم على قوته لا يمنح وحده جوابا عن سؤال: لماذا نعيش؟




التعليقات