مقالات

حرية الإعتقاد الفاصل المنهجي لفقه التعارف والاجتماع الانساني

على سبيل التقديم:

مما لا شك فيه أن الحرية من القيم الأساسية في حركة تحضر الإنسان أفرادا وجماعات؛ فـنهوض الأمم وسقوطها أوتقدمها وتراجعها منوط بمدى شيوع قيم الحرية بين أفرادها، وفي مجتمعها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وموانعه، والحرية هي الشرط الحاسم للفعل الإنساني على تخطي المعوقات وتحصيل أسباب النهوض والبناء والإصلاح والتغيير…

فالحرية بكل ما تحمله من معان إنسانيةوقيم سامية -تعلي من شأن الإنسان وتحفظ كرامته وتحميه من كل أشكال الإكراه والتسلط والاستبداد- هي مفتاح التقدم ووسيلته في آن.

من أنواع الحرية الأكثر أهميةللوجود الإنساني حرية الاعتقادبما هي: حرية الإنسان في أن يتبنى من المفاهيم والأفكار ما ينتهي إليه بالتفكير أو ما يصل إليه بأي وسيلة أخرى من وسائل البلاغ، فتصبح معتقدات له، يؤمن بها على أنها هي الحق، ويكيف حياته النظرية والسلوكية وفقها، دون أن يتعرض بسبب ذلك للاضطهاد أو التمييز أو التحقير، ودون أن يكره بأي طريقة من طرق الإكراه على ترك معتقداته، أو تبني معتقدات أخرى مخالفة لها.

بالإضافة إلى هذا العنصر الأساسي في حرية الاعتقاد فإن العنصر الثاني من عناصرها هو الإعلان عن ذلك المعتقد والتعبير بيانا لحقيقته وشرحا لمفهومه واستدلالا عليه ومنافحة عنه. ومن عناصرها أيضا حرية الممارسة السلوكية من قيام بالشعائر التعبدية، مثلا، وإقامة للاحتفال بالمناسبات والأعياد الدينية وما إلى ذلك من مظاهر التطبيق السلوكي. ولعل من أهم عناصر حرية المعتقد الحرية في الدعوة إليه والسعي في نشره بين الناس ليصبح معتقدا لهم مع ما يقتضيه ذلك من حرية إعلامية بوسائلها المختلفة في البلاغ والنشر، ومن حرية في تجمع الناس وتجميعهم من أجل تبليغ المعتقد إليهم وشرحه لهم… إنّ هذه العناصر المكوّنة لحرية الاعتقاد إذا ما اجتمعت اكتملت بها تلك الحرية، وأيما خلل في واحد منها يفضي إلى نقصان فيها حتى ينتهي أمرها إلى الزوال.

وبهذا المعنى تعد حرية الاعتقاد، أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف “إنسان”، فالذي يسلب إنسانا حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء وانتهاء … ومع حرية الاعتقاد حرية التعبير والتفكير، والحق في الاختلاف، والأمن من الأذى والفتنة … وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.

في البدء كانت حرية الاعتقاد
ولأن القرآن الكريم رسالة تحريرية على كافة الأصعدة، وبخاصة صعد الفكر والعقل والعلم والتدين… فقد تضافرت آياته على توكيد حرية الاعتقاد، واعتبارها شأنا إنسانيا خاصا بين الإنسان وربه، إذ نقرأآيات عديدة في التأكيد على ضرورة احترامها وعدم المساس بها، تحت أي ظرف من الظروف: “لو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”(يونس: 99).”قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظ”ٍ) الأنعام: 10(“قلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيل”ٍ) يونس: 108(“فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا”)الإسراء: 15(“وأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ” (النمل 91- 92)”إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً” (المزمل: 19 والإنسان: 29).”وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر”(الكهف: 30) “قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه”(الزمر: 15-16) “قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم وليدين” (الكافرون: 1-6). والله عز وجل قد خلق الإنسان وبين له طريق الحق وطريق الشر “ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها”(الشمس: 7-8) “ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين”(البلد: 8-10) وترك له ساحة الاختيار الحر “إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا”(الإنسان: 3) “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”(الشمس: 9-10) ولم يشأ الله عز وجل التدخل لإكراه الناس على اتباع طريق الرشاد “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات”(المائدة: 50)ولم يسمح لأحد حتى لرسله بإجبار أحد على الانتماء إلى “الإسلام”، وقصر مهمتهم ومهمة من سار على نهجهم من المؤمنين في البلاغ والهداية والدعوة بالتي هي أحسن، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة. ثم بعد ذلك ترك حرية الاختيار للآخرين “فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ”(آل عمران: 20)”فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب”(الرعد: 40) “فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ” (الشورى: 48)”أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”(يونس: 99)”وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد”(ق: 45) “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر”(الغاشية: 21-22).الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ وبشير ونذير، لا مسيطر ولا جبار ولا مُكرِه: “إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء”ُ) البقرة: 272(“ما على الرسول إلا البلاغ” (المائدة: 99(“وإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.. وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ.. إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ.. وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ” (الأنعام: 35، 48، 57، 6 (“وإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ.. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيل”)يونس: 41، 99، 108(“إِنَّمَا أَنتَ نَذِير”ٌ) هود: 12(“إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ.. فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِين”)النحل: 37، 82.. (“فمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِين” (النمل: 92).

تؤكد هذه الآيات على حرية الإنسان خاصة فيما يعتقده، وأن محاولة سلك الناس في معتقد واحد من الأمور المستحيلة، والخيار الأمثل المساوق لفطرة الإنسان وسنن الوجود الإنساني هو ضمان حرية الاعتقاد والتدين.

ولعل من أعمق الآيات القرآنية دلالة وأشدها وضوحا في الاستدلال على توكيد حرية الاعتقاد وتثبتيها قوله تعالى:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”.

الدين في هذه الآية “المعتقد والملة”. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية تمثل “قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه”.

والآية هي “دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار”. فلما كان “الإيمانعبارة عن إذعان النفس، يستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه ، وإنما يكون بالبيان والبرهان”. وعليهفحرية العقيدة كما جاء بها القرآن الكريم قضية اقتناع بعد الإدراك، وليس قضية إكراه وإجبار، ولقد جاء القرآن يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته … في غير قهر أو تهديد.

إلى جانب حرية الاعتقاد –ولبلوغ حرية الإنسان أقصى مداها- أقر القرآن الكريم حرية التفكير والتعبير، إذ يقرر الله عز وجل حرية التفكير والتعبير للناس عامة، ويمنحهم الحرية في أن يفكروا ويعبروا بما شاؤوا، ويمنع أن يتدخل أحد في توجيه الناس إلى تفكير معين لأن ذلك من مثبطات الأعمال وأسباب الفشل.

ولقد ضرب القرآن أمثلة رائعة في تقديره لحرية التفكير والتعبير يتجلى ذلك من خلال دعوته المتكررة إلى إعمال العقل للنظر في كل شيء:

الدعوة إلى النظر في الكتاب المنظور (الكون) :”قل انظروا ماذا في السماوات والارض” “إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون” “قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق” “أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج” “أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت”.

الدعوة إلى التفكر في الكتاب المسطور (القرآن):”أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” “كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرواآياته” “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها” “وأنزلنا إليك الذكر لتين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون”.

كما يتجلى تقدير الله لحرية التفكير والتعبير من خلال ثنائه على الذين يستخدمون عقولهم ويميزون بين الأشياء فيتبنون أحسنها “فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أسحنه، اولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب” في مقابل ذلك ذم الله المعطلين لعقولهم وشبههم بالدواب “إن شر الدواب عنه الله الصم البكم الذين لا يعقلون” كما نبذ التقليد بغير علم وحاربه “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يمتدون”.

ومما يدل دلالة مباشرة على أن حرية العقيدة في القرآن الكريم أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في إطار حرية اختيار المعتقد. اعتبار القرآن الكريم،الاختلاف حقيقة كونية وواقع إنساني،اعتبار الاختلاف من الخصائص الواضحة في تكوين الاجتماع البشري. فالقرآن الكريم يحدثنا عن الاختلاف والتنوع في أكثر من خطاب، ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحا “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات”. “ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” “ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد” “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.

إن “أمر التنوع في النص القرآني لا يتوقف عند هذا الحد، بل جاءت نصوص أخرى تؤكد عليه في أمر انقسام البشر إلى مجموعات بشرية تشكلت في أمم هي القبائل والشعوب، أي هي التشكيلات البشرية التي يوجهها النص القرآني إلى التعارف من أجل اللقاء، لا التصادم من أجل الجفاء والتناكر “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” ” .

من هنا فليس غريبا اختلاف البشر إذ إن اختلافهم فطرة إلهية وسنة ربانية في الخلق “سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا” وإذا كانت مسألة التنوع سنة إلهية وفق النص القرآني فإن من العبث كل العبث أن يراد صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء وجعلهم نسخا مكررة ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن، لأنه مخالف لفطرة الله التي فطر عليها الناس.

فالغاية من تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل ومجتمعات واختلافهم، أن يحترم بعضهم بعضا، ويعترف بعضهم بحقوق بعض، في إطار الكرامة الإنسانية المكفولة للجميع ومن “أبرز مصاديق تكريم الكائن الإنساني “ولقد كرمنا بني آدم” وفق القرآن الكريم تكمن في أن حريته وبالتالي اختياراته المشتقة من قواعد الحرية نفسها لا تشكل سببا لحرمانه من حقوقه الطبيعية المكرسة ومنها حقه في أن يكون مختلفا”.

إن ما يميز الخطاب القرآني في دعوته إلى القبول بمبدأ التنوع والاختلاف هو “رده إلى أساس الخلق كما في قوله تعالى :”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة” وهو أساس يرتبط بمبدأ حرية الكائن الإنساني ومسؤوليته، حيث لا مسؤولية بدون حرية ولا حرية للكائن الإنساني فردا أو جماعة، دون امتلاك حق الاختلاف والتنوع”.

ففي القرآن يتحول التنوع والاختلاف من نقمة إلى نعمة، وعطاء وإغناء للمسيرة الإنسانية، ذلك أن الناس منحدرون من أصل واحد، وأن سنة التنوع هي سنة الخلق والاختلاف المناخي والجغرافي والديموغرافي والقومي والعرقي والديني … هو الطريق إلى التعاون والتكامل والتعارف والتحاور والتعايش، إذ يستحيل عقلا وواقعا أن يكون البشر بطبائعهم نسخة مكررة عن بعضهم، عندها تستحيل الحياة وتتعطل الإرادات ويتوقف العمران.

تفنيد دعوى القول بالنسخ؟

على الرغم من كل هذا،نجد أن بعض المفسرين قد حكموا بنسخ قوله تعالى:”لا إكراه في الدين” بآية السيفشأنه شأن باقي الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، وأن آية: “لا إكراه في الدين” نزلت قبل فرض القتال وأنها من آيات الموادعة التي نسخت.وحجتهم في ذلك “أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام”.

ولنا على هذه الدعوى ردود نجملها فيما يلي:

الأول: تاريخ النزول: فالآية 256 من سورة البقرة “لا إكراه في الدين” من الآيات المتأخرة نزولا، مما يتعارض والقول بأنها من آيات الموادعة المنسوخة بآية السيف، “فالظاهر أن هذه الآية نزلت بعد فتح مكة”. وفتح مكة كان في السنة الثامنة للهجرة لعشر خلون من شهر رمضان المبارك.

الثاني: أن الغاية من قتال المشركين المنصوص عليها في آية السيف ليست إكراههم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح “ولا أدل على هذا من قول الله عز وجل لنبيه، في الآية التي تلي آية السيف دون فاصل:”وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون”. فإن في هذه الآية أمرا من الله عز وجل لرسوله بأن يجير من يستجير به من المشركين، ثم يدعوه إلى الإيمان بالله، ويبين له ما في هذا الإيمان من خير له، فإن هو بعد هذا أصر على ضلاله، واستمرأ البقاء على كفره بالله، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه المكان الذي يأمن فيه- فعلى الرسول أن يجيبه إلى طلبه، وأن يؤمنه حتى يصل إلى ذلك المكان”.

مما يدل دلالة صريحة وقاطعة أن آية السيف ليست عامة وأنها نزلت في خاص من المشركين “كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد فنقضوه وظاهروا عليه أعداءه، وقد بريء الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب إن لم يتوبوا على كفرهم، ويؤمنوا بالله ربا واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا، وهؤلاء المشركون أعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين بدليل قوله جل ثناؤه قبل آية السيف “إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين”.

الثالث: أن قوله تعالى “لا إكراه في الدين” من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين، و”النسخ لا يكون في الكليات، ويدل على ذلك [أي أن النسخ لا يكون في الكليات] الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء”.

الرابع: إذ كانت آيات القرآن الكريم قد حددت بوضوح إطلاق حرية الاعتقاد وإحاطتها بسائر الضمانات، وجعلت جزاء الكافر أو المرتد لله وفي الدار الآخرة، فلا يتوقع من السنة النبوية أن تأتي على خلاف ذلك. إذ يستحيل شرعا وعقلا أن يأتي في السنة النبوية شيء يناقض آيات القرآن الكريم بأي حال من الأحوال فضلا عن أن ينسخه. إذ لا تعارض بين نصوص القرآن ونصوص السنة، وأنهما دليلان متعاضدان لا يمكن أن يأتي في أي منهما ما يناقض الآخر أو ينافيه.

وعليه فالمقصود بقتل المرتد في قوله صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتلوه”، المقيد بقوله عليه الصلاة والسلام: “..التارك لدينه المفارق للجماعة”، المقصود هو الخائن للجماعة المرتكب لجرائم ضدها كإفشاء أسرارها للأعداء، أي ما يعادل الخيانة العظمى في القوانين الدولية.

يأتي هذا الإشكال–إشكال قتل المرتد- ليمثل حلقة ضعف في الخطاب الإسلامي المتعلق بالحرية، على اعتبار أن في القول بحد الردة نسف لكل مقومات الحرية في الإسلام؛ انطلاقا من إقرار فقهاء الإسلام لحد الردة، القاضي بإجبار المرتد بالقوة على العودة إلى الإسلام أو قتله إذا أصر على عدم الرجوع إليه، حماية للدين من أية محاولة للاستهانة به، مما يجعلنا أمام تعارض بين الاعتراف بحرية الاعتقاد، وأنه لا إكراه في الدين، وبين الاعتراف بشرعية حد الردة؟.

بالنظر إلى ما سبق ذكره؛ فإن هذا السؤال يتحول إلى استفهام إنكاري أقرب منه إلى أي شيء آخر: إذ إن هناك أكثر من مائتى آية في القرآن المجيد تحمي حرية الكفر كما تعزز حرية الإيمان، وتسوي بينهما،”وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر”، وأن الردة لو اقتصرت على تغيير إنسان فرد لمعتقده دون أن يتبع ذلك بجرائم ضد الجماعة، أو تصاحبها خيانة عظمى، أو محاربة لدين الجماعة؛ فلا إكراه في الدين، وليس لأحد أن نلزمه بالإسلام، ولا أن يحمله عليه، وهناك خلط قديم حديث حصل بين الردة بوصفها جريمة مركبة تصاحبها الخيانة العظمى ومفارقة الجماعة والانضمام إلى أعدائهم، وبين جريمة بسيطة تبقى بين الإنسان وربه إذا لم يرتكب الإنسان الذي تغير معتقده أيَّة جريمة أو جناية ضد الجماعة وحقوقها، وضد البلاد ومقوماتها ومقدراتها، فإذا لوحظ هذا الفرق نستطيع أن نفهم آنذاك أنَّ تلك الجريمة المركبة لا حد في الدين عليها إلا بالنظر لما يصحبها ويخالطها، أمَّا لو فرضنا وقوعها بدون شيء من ذلك فلا حد فيها، وأن المرتد متوعد بالعقاب الأخروي دون ترتيب عقوبة دنيوية على فعله، ومن الآيات الصريحة في هذا قوله تعالى: “الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”،فهذه الآية صريحة لم تذكر حدا للردة أو عقوبة دنيوية لها، لا إعدام ولا دون ذلك.

لما كانت السيرة النبوية باعتبارها مرحلة بناء الأنموذج الذي أتى على أصول الحياة جميعا، دليلا لكيفية التعامل مع حياة الناس، وتنزيل قيم القرآن عليها… فإنه يستحسن بنا استدعاء بعض العهود والمواثيق النبوية في الموضوع، لاستلهامها وطلب إجابتها عن أسئلة الحاضر ومآلات المستقبل، من مثل: ميثاق نصارى نجران، وهدفنا من وراء تناوله بالدراسة والتحليل معرفة كيف يجيب هذا الميثاق عن أسئلة الحاضر ويمنحنا رؤية التعامل مع الآخر المخالف دينيا، فيما يرتيط بحرية الاعتقاد، فمما نص عليه العهد في الفقرة 60 منه أنه ” لا يجبر أحد ممن كان على ملة النصرانية كرها على الإسلام”. بما ينسجم كليا مع قوله تعالى: “لا إكراه في الدين”.

ومن مظاهر حرية الاعتقاد التي كفلها الميثاق لنصارى نجران:

حرية الحوار الديني: إذ جاء في الفقرة 20 “و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن” ويخفض لهم جناح الرحمة ويكف عنهم أذى المكروه حيث كانوا وأين كانوا من البلاد”. وهو نص واضح الدلالة في التأكيد على ضرورة سلك أحسن السبل في الحوار مع النصارى ووجوب التزام المنهج القرآني في الحوار مع أهل الكتاب، بما ينسجم وقوله تعالى: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.

حرية ممارسة الشعائر التعبدية: إذ نصت الفقرة 30 من العهد على احترام الأساقفة والرهبان وعدم التعرض لهم بالتغيير “ولا تغيير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانية”. وقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة في الالتزام بهذا الأمر، يشهد لذلك موافقته صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران أداء طقوسهم التعبدية وإقامة صلاتهم بمسجده.

حق إقامة المعابد: إذ نصت الفقرة 33 من الميثاق على عدم “هدم بيت من بيوت بيعهم، ولا إدخال شيء من بنائهم في شيء من أبنية المساجد ولا منازل المسلمين”. ولا يقف الميثاق عند حد إقرار حق إقامة المعابد للنصارى بل يتجاوز ذلك في تسامح كبير إلى حد التعهد بالدفاع عن كنائس وبيع وبيوت صلوات النصارى، إذ نقرأ في الفقرة 18 من الميثاق “وأدب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيت صلواتهم، ومواضع الرهبان، ومواطن السياح، حيث كانوا من جبل أو واد أو مغار أو عمران، أو سهل أو رمل، وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا، من بر أو بحر، شرقا وغربا، بما أحفظ به نفسي وخاصتي، وأهل الاسلام من ملتي..”.

الحرية في التزوج بالمسلمين: جاء في الفقرة 72 من الميثاق أن النصارى “لا يحملوا من النكاح شططا لا يريدونه، ولا يكره أهل البنت على تزويج المسلمين، ولا يضاروا في ذلك إن منعوا خاطبا وأبوا تزويجا لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم ومسامحة أهوائهم”.

ولا يحق للمسلم إكراه النصرانية على تغيير دينها إن قبلت الزواج منه، بل عليه الرضا بذلك والتسليم به، وفي هذا نقرأ من الميثاق “إذا صارت النصرانية عند المسلم، فعليه أن يرضى بنصرانيتها، ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها والأخذ بمعالم دينها، ولا يمنعها ذلك”.

وبهذا فلقد جاءت بنود ميثاق نصارى نجران معززة للرؤية القرآنية فيما يرتبط بحرية الاعتقاد، الحاكمة بجعل علاقة المسلم بغيره ممن يناقضه بأفكاره علاقة تذكير لا إكراه فيها، من منطلق قوله تعالى: “لا إكراه في الدين”.

وبهذا الفهم يمكن أن نستنكر استخفاف الحركات الدينية المتطرفة بمشاعر الناس، مدمرة لمفهوم الحرية في الإسلام، ومتحولة بالإسلام إلى وجهة محاكم التفتيش ضد أسسه الكونية، وموقع الإنسان في هذه الكونية.

إن هؤلاء الناس يحاولون سرقة رصيد إنساني كوّنه الله عبر أربعة عشر قرنا وعانى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وعشرين سنة، ثم جاء هؤلاء للقطاف مستغلين استجابة الناس الدينية، وتحت طائلة التهديد بالحرمان من الآخرة، فأوقعوا الناس في تناقض بين رحمة ربهم الكامنة في أعماقهم وبين حكم اللاهوتيين الذي لا علاقة له بهذه الرحمة الإلهية المتسامية.

التعليقات

اظهر المزيد

د. محمد الناصري

باحث مغربي، يعمل أستاذا للفكر الإسلامي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان، المغرب، عضو مؤسس لمركز دراسات المعرفة والحضارة، من مؤلفاته: العلاقة مع الآخر في ضوء الأخلاق القرآنية، دار الهادي،2009م،  بيروت، لبنان. ثقافة السلام بين التأصيل والتحصيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2014م، الكويت. الاجتهاد والتجديد: دراسات مهداة للمفكر رضوان السيد، (مع مجموعة من المؤلفين)، 2014م، مجلة الإحياء، الرباط، المغرب. موسوعة الفلسفة الإسلامية: جدل الأصالة والمعاصرة، (مع مجموعة من المؤلفين)،دار ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية، ناشرون، بيروت، ط، الأولى، 2016م. مسألة الآخر في الإسلام: نحو تجاوز لإشكالات في فقهنا الموروث، مكتبة الإسكندرية، مصر، 2017م. المعرفة والابستمولوجيا، (مع مجموعة من المؤلفين)، دار ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية، ناشرون، بيروت، ط، الأولى، 2017م. مقاربات معرفية في الإصلاح الديني، (مع مجموعة من المؤلفين)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط، الأولى، 2016م. في تفكيك خطاب التطرف، (مع مجموعة من المؤلفين)، 2018م، رابطة العالم الإسلامي، بمكة. شارك في عدد من المؤتمرات الوطنية والدولية، منها: المشاركة في ورشة: "موسوعة مفكر" التي تعنى بالترجمة لمفكري الإسلام الذين عاشوا في القرن العشرين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت. المشاركة في المؤتمر العالمي: "الحوار وأثره في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم".  جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية. المشاركة في الندوة الدولية: "الاصلاحية الإسلامية وسؤال الهوية". مركز الدراسات الإسلاميةـ القيروان، جامعة الزيتونة، تونــــــــــــس. المشاركة في الدورة التدريبية: " القرآن الكريم و خطابه المتجدد". تنظيم المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية و الإسلامية، تطوان، المغرب...إلخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق