حوارات

د. سعيد شبار: من يتخلى عن تراثه ليس أمامه إلا الالتحاق بتراث الآخرين

جريدة المساء المغربية في حوار مع الدكتور سعيد شبار

أجرت يومية المساء المغربية في عدد الجمعة 8 ديسمبر 2017 حوراً مع الدكتور سعيد شبار حول قضايا التراث والتجديد وإسهاماته في هذا المجال، إلى جانب عدد من المفكرين المغاربة الذين أبدعوا في مجال نقد التراث وتقويم مناهج قراءته، وأبرز المفكر المغربي أن “الثقافة الإسلامية مرشحة أكثر من غيرها بحكم علمية وإنسانية رسالتها، للإسهام فيما هو كوني لو أنها استأنفت مسارها العلمي وتحررت من القيود التي تعوقها”، معتبرا أن من “يتخلى عن تراثه ليس أمامه إلا الالتحاق بتراث أمة أخرى. كما أكد أن ثمة نسبة مهمة مشتركة بين تراث وثقافات الأمم، وثمة نسبة قابلة للتكيف بحسب الخصوصيات والهويات المحلية”، فالكوني أو العالمي، “ليس إلا مجموع إسهامات الشعوب والحضارات المختلفة، أما حينما يكون نمطا وشكلا واحدا، فسنكون حينئذ أمام نزعة للهيمنة والإقصاء وليس أمام مشترك إنساني يُعترف فيه بالاختلاف والتنوع والتعدد. 

س1/ سؤال:أنتم من أبرز من اهتم من المغاربة بقضايا التراث والتجديد وكانت لكم إسهامات مفيدة في هذا الحقل الشائك والذي لم يسلم من عبث العابثين مفهوما ومطارحة فما المقصود بالتراث وما المقصود بالتجديد؟  

ج.س 1: “التراث والتجديد” ثنائية مفهومية اشتغل عليها كثير من الباحثين بمنظورات مختلفة هي نفسها التي تمثل المدارس الفكرية التي سادت منذ القرن الماضي، والمقصود بالتراث: الإنجاز العلمي والفكري والأدبي والفني… لدى أمة من الأمم، بحيث يصير كل ذلك جزءا من الهوية والذات التاريخية لتلك الأمة. وطبعا لا يدخل الوحي في مسمى التراث بهذا المعنى الذي هو “إنجاز”، لأن الوحي “عطاء” أو “معطى” إلهي، والمقصود: القرآن الكريم وما لازمه من بيان السنة الصحيحة. والضابط المنهجي هنا أن كل إنجاز بشري يمكن رده إلى أصوله وتاريخه، وعلى من يقول “بتاريخية النص” أن يحدد لنا، ضبطا وتوثيقا وتدقيقا، الأصول والمصادر التاريخية لانبثاقه، وما نقرأه اليوم أطروحات هي دعاوى عامة أكثر منها تدقيقات علمية. إلى جانب هذا نقول إن الاستمرار في الزمان والمكان تأطيرا ومواكبة لحياة الانسان هو للوحي، النص المطلق الذي له خصائص ومحددات: الحفظ والختم والتصديق والهيمنة والكمال والتمام…، وليس للإنجاز الذي أنجز حوله. فذلك تراث وكسب تاريخي هو الذي ينبغي أن يتجدد في كل طور ومرحلة بما يلبي حاجات الناس من الدين في تدينهم. والتجديد هنا ليس، ولا ينبغي أن يكون، انقلابا على التراث أو تنكرا له، بل هو تجديد للنظر في النص تدبرا وتفكرا ونبطا لمزيد من المعاني والدلالات، وتجديد بتطوير نسق العلوم والمعارف بما يناسب واقع الناس وحاجاتهم، وبما يحررها من حالة الجمود والركود التي لازمتها قرونا من الزمن. ويبقى التجديد معنى كليا موسعا وشاملا شمول الدين نفسه لمجالات حياة الإنسان المختلفة، ولا معنى لحصره في نطاقات ضيقة أو مجالات بعينها.

س 2 / هل تعتقدون أن المشاريع الحداثية التي تدعو إلى القطع مع التراث إنما تريد أن تفصلنا عن ذاتنا وروحنا؟ على اعتبار أن إنكار التراث بدعوى الانخراط في الكون هي دعوة ضمنية لتقليد تراث الآخرين.

ج.س 2: دعوى القطيعة مع التراث، لا معنى لها، مجرد دعوى نظرية غير قابلة للإنجاز والتطبيق حتى لدى القائلين بها. ولك أن تنظر في مؤلفات دعاة القطيعة، معظمها في التراث وحول التراث، بل بها اشتهروا وكانوا كتابا ومفكرين، فكيف يقطع الإنسان مع ذاته ونسبه وعمقه وامتداده التاريخي والديني والحضاري؟

وإن شئنا التدقيق قليلا قلنا: هناك مستويان بخصوص دعوى القطيعة، مستوى إلغائي إقصائي، ولنقل انتقائي متحيز جدا. يقول بالقطيعة مع التراث وهو يبني دعوى القطيعة من داخل التراث، منتصرا لقضيته المقررة سلفا أو لمنهجه المحدد سلفا. انظر هنا مثلا كتابات حسين مروة وطيب تزيني وحسن حنفي وغيرهم.

هناك مستوى آخر من “القطيعة”، يقول أصحابه بالقطيعة مع الفهم السلبي للتراث، أو العطاء غير المتحقق بمستوى معين من العقلانية والعلمية، كما هي أطروحة الدكتور محمد عابد الجابري بخصوص “القطيعة الابستمولوجية”، أو التحرر من “القراءة التراثية للتراث”، والتحول من حالة “الكائنات التراثية” الى “الكائنات التي لها تراث”. وليس القطيعة مع كل التراث باعتباره ماضي الأمة ورصيدها التاريخي وأحد ركائز ومقومات نهضتها. وهو ما طرح نقاشا علميا رصينا بخصوص “المنظور التفاضلي” للتراث في مقابل “المنظور التكاملي” له، المنهج الذي أسس له باقتدار الدكتور طه عبد الرحمن في أكثر من كتاب.

أما تبرير “القطيعة” بدعوى “الكونية”، فهذه دعوى أيضا لا علمية ولا واقعية. صحيح ثمة مشتركات إنسانية كثيرة في العلوم والمعارف والقيم وحتى الأديان. لكن لا يمكن ولم يحدث قط أن انخرط الجميع في “مسلمة” كونية وتخلوا عن تراثهم. والمفاهيم “الكونية” اليوم من قبيل: “العلم”، و“العقل”، و“الحرية”، و”الحداثة” و“العولمة”…، هي كونية إجمالا. بحيث ينبغي أن يكون لكل أمة فيها إسهام ومشاركة، وإذا غابت كانت على الهامش شأن كثير من بلدان الجنوب اليوم بما فيها البلدان الإسلامية. لكن عند التفصيل، فليس هناك معنى واحدا وموحدا لتلك المفاهيم حتى لدى صناعها، بحيث نجدها تأخذ عند التنزيل معان ودلالات أخرى يفرضها الواقع الحضاري والتاريخي والديني المختلف لدى الشعوب والامم. فتمة نسبة مهمة مشتركة، وثمة نسبة قابلة للتكييف بحسب الخصوصيات والهويات المحلية. فالكوني أو العالمي ليس إلا مجموع إسهامات الشعوب والحضارات المختلفة، أما حينها يكون نمطا وشكلا واحدا، فسنكون حينئذ أمام نزعة للهيمنة والإقصاء وليس أمام مشترك انساني يُعترف فيه بالاختلاف والتنوع والتعدد.

وأعتقد أن الثقافة الإسلامية مرشحة أكثر من غيرها، بحكم عالمية وإنسانية رسالتها، للإسهام فيما هو كوني لو أنها استأنفت مسارها العلمي وتحررت من القيود التي تعوقها، والذي يتخلى عن تراثه ليس أمامه إلا الالتحاق بتراث أمة أخرى.

س 3/ هل ترون أن قراءة التراث العربي الإسلامي عبر التوسل بالمناهج المعاصرة (علوم الإنسان والمجتمع) ستؤول بنا إلى ما أسماه طه عبد الرحمن بالقراءة التجزيئية للتراث؟

ج.س.3: يتوقف الأمر على كيفية “التوسل” أو “النقل” و“الاستعارة” للمناهج أو المقولات والمفاهيم، ود. طه عبد الرحمن حدد في سياق “التقريب التداولي” للمناهج والمفاهيم شروطا من أبرزها: التمكن من المجال التداولي الأصل للمفهوم أو المنهج، والتمكن من المجال التداولي للسياق المنقول إليه، وتتبع آثار المنهج أو المفهم…الخ. فإذا كنا متحكمين في عملية النقل ومدركين لأبعادها المختلفة فلا خوف منها وهي جزء من ضرورة التفاعل والتلاقح الفكري والعلمي والحضاري بين الأمم. وإذا لم نكن كذلك، وهذا صنيع كثير من الكتاب والباحثين للأسف ممن ينقلون عن الغرب، كانت النتيجة عكسية. بحيث بدل الاستفادة من المنهج أو المفهوم المنقول، حينما يترك على حاله، تنشأ حالة من الرفض له باعتباره “دخيلا”، وتتم مقاومته من طرف جهات عديدة.

وهكذا بدل أن يكون المنقول عنصر إفادة يكون عنصر تجزيئ وبلبلة، وتنبه إلى هذا الأمر كذلك د. الجابري وقال بضرورة “التكييف” للمنقول أو المستعار، وقال آخرون بـ“الدمج والاستيعاب والتجاوز”.

س 4/ هل يمكن اعتبار الدعوة إلى القطيعة مع التراث العربي الإسلامي تجل من تجليات العولمة التي أصابت النخبة في مجالنا التداولي اليوم؟

ج.س.4: سبقت الإجابة عنه ضمن ج.س.1

س 5 / يُرجع الدكتور محمد سبيلا مسألة التحديث في الفكر المغربي المعاصر إلى بروز مدرستين تحديثيتين هما: مدرسة عبد الله العروي، ومدرسة محمد عابد الجابري؟ فهل توافقونه الرأي؟

ج.س.5: د. محمد سبيلا هو نفسه نموذج تحديثي بما كتب وألف وبما كون من طلبة وباحثين، وكان له فضل في مساري البحثي كذلك، وإحالته على علمين بارزين في سماء الفكر والمعرفة لا يحتاج إلى شهادة أو تبرير، فالأعمال العلمية الوازنة تفرض نفسها في الساحة الوطنية والدولية. وإذا جاز للمغرب أن يفخر بأحد في عالم الفكر والمعرفة، فإنما يفخر بمثل العروي والجابري وطه عبد الرحمن والمنجرة…وآخرين. وإذا جاز لي أن أقارن في جملة بين العلمين، فأقول، بأن عبد الله العروي دخل الفلسفة من باب التاريخ فأبدع فيها وفي التاريخ، أما الدكتور الجابري رحمه الله فكانت الفلسفة دار إقامته، ومنها انفتح على التاريخ وباقي العلوم فأبدع كذلك في الجميع. وهذا لا يعني الاتفاق معهم في كل شيء، فالاعتراف واجب والاختلاف موجود.

س 6 / يرى بعض الباحثين أن كثيرا من المفكرين المنتمين إلى الفكر العربي المعاصر، والمتصدرين لنقد التراث العربي الإسلامي لا يعدون أن يكونوا حلقة من حلقات الاستشراق، وأنهم لم يقدموا شيئا يخدم تراثهم ومن ثم حاضرهم ومستقبلهم، وإن كان لا بد من التمثيل فلنقل أمثال: أركون، نصر حامد أبو زيد، عبد الله العروي …، بمعنى آخر إلى أي حد استطاعت هذه النخب الحداثية أن تقدم إجابات  مستساغة  يمكن أن تثري الفكر الإسلامي المعاصر؟

ج.س.6: في التعامل مع الفكر المختلف، أي الذي ينطلق من منظور مختلف، مثل النماذج التي ذكرتم على فارق كبير بينها، ينبغي الاتجاه إلى نقد الفكر بعد الاطلاع عليه واستيعابه أكثر من نقد الأشخاص، سواء كانوا مستشرقين أو من حذا حذوهم من المفكرين العرب. وكما أن قلة من المستشرقين كانوا منصفين وأغلبهم كانوا مغرضين، فكذلك معظم الذين تأثروا بهم وبمقولاتهم دون تمحيصها جانبوا الإنصاف في تعاملهم مع النص أو التراث أو الهوية أو علوما بغيرها. وكما توارت إلى الظل كثير من أطروحات المستشرقين، فكذلك تتوارى اليوم وتخفت بعض المشاريع التي كان لها صدى إعلاميا أكثر منه علميا في السابق. وخدمة التراث ينبغي أن تكون من داخل التراث وبآلياته ما أمكن، ثم بالانفتاح على منتجات العلوم والمعارف المختلفة التي ينتجها العصر، وخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية بالمنظور الذي ألمحنا إليه سلفا.

س7/ يظهر عند التأمل أن مجال البحث في هذا الموضوع استأثر به الباحثون في اللسانيات والفلسفة، ألم يكن للمفسرين والفقهاء أثر في إثراء هذا الحقل بنظر إصلاحي سديد؟ أين يمكن أن نصنف إذن جهود أمثال الشيخ القرضاوي وحسن الترابي ومحمد عبده وابن باديس وابن عاشور قبلهما، وعدد من فقهاء الشيعة ومفكريها؟

ج.س.7: موضوع التراث والتجديد اشتغلت عليه تخصصات علمية مختلفة: لغوية، وفلسفية، وأدبية لسانية، وفقهية، وتربوية…، وغيرها. لكن حجم الاشتغال لم يكن وفق المطلوب لا مادة علمية وانتظاما منهجيا، خصوصا وأن كثيرا من كنوزه لا تزال لم تر النور بعد، وما رأى النور لم يُستثمر كما ينبغي. ويكفي ما ذكرتم مثلا في مجال الإصلاح رغم الآيات البينات في القرآن الكريم، والأحاديث الوفيرة في صحيح السنة، ورجالات وحركات الإصلاح في تاريخ الأمة. لم يتبلور بعد منظور إصلاحي جامع في معالمه الكبرى على الأقل، يوحد الأمة ويجمع شتاتها ويحقق التكامل فيما بينها، بل ما يحدث العكس للأسف. والنماذج من العلماء والمفكرين والدعاة الذين ذكرتم لهم جميعهم إسهاماتهم المقدرة في هذا الباب، وإذا قيل أين ثمارها؟ نقول: الأزمة أكبر منها. وثمارها تتجلى في نسبة الوعي والالتزام، والتوسط والاعتدال الفكري والسلوكي، وإن لم يكن بحجم إنهاض الأمة فإنه قد صان ووجه كثرا من أبنائها. ولو طرحنا السؤال بصيغة أن أولئك الاعلام لم يكونوا موجودين وغابت أدوارهم، لكان واقع الأمة أكثر رعبا مما هو عليه الآن أمام زحف الغلو الديني واللاديني على حد سواء.

س 8/ الأقطار المغاربية أفرزت منذ أواخر القرن العشرين أسماء وازنة أصبحت مرجعا في تفكيك العقل العربي وبحث اتصاله المعقد بالتراث الإسلامي، ما تفسيركم لهذا التميز؟ وهل له صلة بما علم عن مدرسة الغرب الإسلامي من تميز في معالجة قضايا الشريعة على نحو معقلن لا يجنح للنصية في التعامل مع الوحي، أم لذلك اتصال بالمدرسة الفرونكفونية في معالجة النصوص بما فيها النصوص المقدسة؟

ج.س.8: مدرسة الغرب الإسلامي كان لها تميز منذ وقت مبكر، وفي مجالات علمية مختلفة. فبالرغم من كون علمائها كانوا يذهبون إلى الشرق لكنهم، أو معظمهم على الأقل، كانوا يحافظون على خصوصية العطاء في الغرب الإسلامي الذي كان بعيدا عن كثير من أشكال النزاع والصراع الديني المذهبي، والحضاري والسياسي، الذي ساد في المشرق. فالمدارس التي ظهرت كانت متحررة من ذلك سواء في الفكر القديم أو في الفكر الحديث على العموم،

ولقد قلت في أكثر من مناسبة بأن العلوم إذا كانت بداياتها مشرقية فكمالاتها مغربية، ولك أن ترى هذا في التفسير والحديث والأصول والمقاصد والفلسفة والتاريخ وغيرها.

ولا أظن أن للفرنكوفونية تأثيرا على هذه الصياغة، إن لم تكن لها تداعيات سلبية في حرصها وبأي ثمن على مناطق نفوذ وتبعية. وعدم الجنوح إلى الفهم الحرفي للنصوص في نموذج الغرب الإسلامي، كان منذ وقت مبكر في الاختيارات المذهبية الدينية التي سادت. حيث كان إعمال العقل حاضرا إلى جانب إعمال النص، وعدم تكفير المخالف كما في الاختيار العقدي مثلا، وحيث كان اعتبار المصلحة وإعمال مصادر التشريع المختلفة إحدى خصائص المذهب المالكي التي تفرد بها عن غيره.

وهذا التميز هو مما ينبغي صونه وتثبيته أمام رياح الغلو والفتن التي تعصف في مناطق مختلفة من العالم ككل وليس فقط العالم الإسلامي.

 

التعليقات

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق